الأحد، 10 يناير 2016

التخطيط والبرمجة: النجاح فى النشأتين



إن حياة البشرية اليوم، قائمة على أساس البرمجة والتخطيط.. ومن أهم الأسس في هذا المجال هي: دراسة الإمكانيات الموجودة، ثم البحث عن الإمكانيات الممكنة، ثم البحث عن نقاط الضعف والخلل، ثم التفكير في علاج تلك النقاط وتحويلها إلى نقاط قوة.. فإذا تمت هذه الدراسة فى جميع تلك الفروع، فقد تمت بذلك الهيكلية العامة للتخطيط الناجح.. ومن المعلوم أن السائر على طريق واضح، لا تهمه ساعة الوصول ما دام مطمئنا من صحة مسيرته.



إن الله تعالى خلق هذا الكون المحير وفق برنامجه الذي لا نحيط علما به، فهذه الجينات الوراثية في الخلية الحية، ما هي إلا برنامج مكتوب بتلك اليد البديعة، وهي التي تضع الخلية الأولى في مسار التكامل السريع، وإذا بها تتحول -وفق ذلك المخطط المرسوم- إلى أرقى موجود على وجه الأرض!.. وعليه، فإن برمجة حياتنا اليومية، صورة من صور التخلق بأخلاق الرب، وهل من ضير في أن نتشبه بأخلاق الحكيم المتعال؛ ولكن في حدود القدرات البشرية؟..



إن قصر الحياة في هذه الدنيا، يجعل أحدنا حريصا على اغتنام أية فرصة من فرص العمر، وخاصة أن حياة أحدنا يكتنفها جهل ما قبل البلوغ، وضعف ما قبل الممات؛ فلم يبق إلا أيام عنفوان الشباب بما فيه من نشاط وحيوية.. والذي يحز في النفس، ويثير بالغ الأسف: أن سكر الشباب يشغل البال عن كثير من الأمور، التي لا يمكن تعويضها لاحقا.. ومن المعلوم أن الندامة يوم القيامة من أشد صور التعذيب، عندما يرى الفرد تلك الفرص الذهبية التي مرت عليه مر السحاب من دون اغتنام!..



إن الشيطان يحاول في أول الأمر أن يشغل العبد بالقبيح، فإذا رأى العبد منشغلا بالحسن عن القبيح، حاول أن يشغله عن الأحسن بالحسن، بمعنى أنه يقنع في آخر المطاف، أن ينشغل العبد بطاعة من الطاعات؛ ولكنها ليست الأرقى في نظر المولى، كمن ينشغل ببعض المستحبات اللفظية، تاركا واجبه الاجتماعي تجاه الآخرين: صلة للأرحام، ونهيا عن الحرام، وتثبيتا لحاكمية الله تعالى في الأرض.



إن برمجة الحياة تحتاج إلى معونة خبير في هذا المجال، ليأخذ بيد العبد التائه، والمتخبط في مشيه.. ولكن لا نخفى سرا عندما نقول: إن قلة وجود المرشدين الصالحين، من آفات هذا العصر الذي طغت فيه المادة الملهية، على التفكير الجاد في برمجة الحياة الأبدية، والتي لا تعد الحياة الدنيا في قبالها إلا صورة من صور اللهو واللعب، كما عبر عنه القرآن الكريم.. ولكن فى مقابل ذلك فإن سهولة الوصول إلى سيرة الأولياء من المعصومين (ع) وغيرهم، تعين الفرد على استيعاب القواعد العامة لاكتشاف سر السعادة في الحياة!..



إن من المناسب -إذا أراد أحدنا أن يفكر في هندسة حياته من جديد، أو تصحيح مسيرة منحرفة فيها- أن يجعل مثل هذا التفكير المصيري، في ساعة خلوة مع ربه، وخاصة في الأوقات المباركة.. فلئن كان باب الوحي مسدودا على غير الأنبياء (ع)؛ فإن عالم الإلهام والإلقاء في الروع، أمر متعارف في حياة المؤمنين.. ومن الواضح أن الله تعالى شفيق بعباده إلى درجة لا تحتملها عقولنا، وهذا من مقتضيات علاقة الخالقية والمخلوقية، إذ الخالق يحب مخلوقه أكثر من حب المخلوق لنفسه.. أو ليس هو أقرب إلينا من حبل الوريد؟!..



إننا نؤكد على ضرورة التعامل مع النفس تعامل الشريك مع شريكه، بل أكثر من ذلك.. وعليه، فلا بد من تدوين نقاط الضعف التي يخشى الإنسان منها، والتعامل معها كحالة مرضية: فيراقب تاريخ المرض وسيره، وسرعة اشتداده، وساعات أوجه، والعلاج المحتمل، وملائمة العلاج لمزاجه، ومراحل القضاء على المرض، والبحث عن الطبيب المعالج، وتحمل الحمية اللازمة لعلاج ذلك المرض، وغير ذلك من المراقبات اللازمة في هذا المجال..ومن العجيب أن أهل الدنيا يعملون بكل ذلك في علاج أمراض أبدانهم الفانية، ولا يفكرون في علاج آفات أرواحهم الباقية.. ولك أن تتصور فداحة الخطب من العذاب الذي لا نهاية له!..



إن من المناسب أن يلزم الإنسان نفسه في بعض مراحل حياته بعمل استحبابي: سواء كان ذكرا لفظيا، أو عملاعبادياًً، مع مراعاة الرفق والتدرج في ذلك؛ فإنه صورة من صور التدريب على الالتزام بقرارات النفس، فإن طبيعة النفس الإنسانية تتهرب من الالتزام بما يخالف المزاج والشهوة.. فهنيئا لمن ترقى بنفسه الأمارة بالسوء، إلى نفس لوامة لما يفوتها من الخير، لتتحقق أخيرا بفضل من الله ورحمة: المرحلة العليا من كمال الإنسان.. ألا وهي مرحلة النفس المطمئنة؛ لترجع إلى ربها راضية مرضية!.
بقلم المفكر الإسلامي:الشيخ حبيب الكاظمي


السبت، 9 يناير 2016

العلاقة بين الهدى والتقوى (2-البقرة / ج)1)


بسم الله الرحمن الرحيم {ألم}.. هناك اختلاف في تفسير مقطعات السور، هذه الظاهرة القرآنية الفريدة والملفتة حقاًً!.. لا نعلم إن كانت هذه الظاهرة موجودة في الكتب السماوية غير المحرفة سابقاً.. ولكن ليس من دأب البشر والمؤلفين، أن يبدؤوا كتبهم بألغازٍ لا يعرفها المخاطبون.. فإذن، ما معنى هذه الحروف المقطعة؟..

الأمر الأول الذي يُلفت النظر، هو كأن القرآن يريد أن يُخاطب جماعة معينة، فما عدا الحروف المقطعة، فإن الخطاب للجميع.. لكن القرآن يريد أن يتحدث مع صنف خاص، هم الذين عُبر عنهم في الرواية المعروفة: (إنما يعرف القرآن من خوطب به)، إذن هذه الأمور أسرارٌ متروكة لأهلها.
وكأن الله -عز وجل- أراد أن يُكرم جزءاً من خلقه؛ ألا وهم النبي والمعصومون من عترته -صلوات الله وسلامه عليهم- بهذه الرموز القرآنية.. وهناك بعض التفاسيرالأخرى التي لا نقبلها، وهي أن القرآن مكوّن من هذه الحروف.. إذا كان الأمر كذلك فإنه لا يحتاج إلى التكرار، فيكفي أن تأتي آية واحدة ببعض هذه الحروف المقطعة، أما لماذا هذا التغيير {ألم} {حم} {يس} {عسق}؟.. إن هذا التنوع يراد منه معنى آخر، لا يعلمه إلا الذين خُصوا بالخطاب في هذه الحروف المقطعة.

{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إلى آخر الآيات المباركة.. فالملاحظ هنا أن القرآن الكريم هداية، والهداية هي عملية ذهنية وإدراكية، بمعنى نقل الإنسان من المجهول إلى المعلوم.. ولكن لماذا جعل القرآن الكريم هذه الهداية خاصة بالمتقين؟.. والتقوى: عملية فعلية، وورع، وفعل، وترك.. فإذن، ما الارتباط بين عالم المعرفة وهي الهداية، وبين عالم العمل وهي التقوى؟..

الجواب هو: إن القرآن هداية شأنية، فمن شأن القرآن أن يهدي؛ ولكن هذه الهداية الشأنية لا تتحقق فعلاً وواقعاً، إلا للذين استعدوا لقبول هذه الهداية.. فالقرآن هدى، ولكن لمن يبحث عن الهدى: في الصحراء القاحلة، وفي جوف الليل.. هناك دليل يدّعي بأنه سوف يخرجك من الظلمات إلى النور، فالذي لا يعترف بهذا الدليل، أو يعترف بأنه دليل، ولكن لا يعطيه وزناً، ولا يعطيه أهمية، هل يخرجه من الظلمات إلى النور؟.. لا، لن يخرجه أبدا، ولا يُتوقع منه أن يأخذ بيد هذا الإنسان الذي لا يعترف بوجوده، أو يعترف بوجوده؛ ولكن ليس في مقام الأخذ بدلالته.. والقرآن الكريم هدى، لا بما هو معلومات مطوية بين الدفتين، ولا بما هو نظريات يعرفها المفسرون.. كم من الذين يتلون القرآن، والقرآن يلعنهم!.. وكم هم الذين يفسرون القرآن بما لا يخطر على الافهام، وهم بعيدون كل البعد عن معاني القرآن الكريم!.. فإذن، إن القرآن الكريم يقول بأنني هدى، ودليل، ومنقذ، ومُخرج من الظلمات إلى النور؛ ولكن لمن؟.. للمتقين!..

من هم المتقون؟.. أول صفة من صفات المتقين{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.. إنها لفتة مهمة، وهي أن أول خاصية في المتقي هي البنية الفكرية، وليس المتقي الذي يمشي ويسعى.. بل هو الذي يحدد الطريق، ثم يمشي ويسعى؛ لما علمنا بأن (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق؛ لا تزيده كثرة السير إلا بعدا).. فالمتقي ليس هو ذلك الصوّام القوّام، وإنما هو ذلك الإنسان الذي اكتشف الطريق، ورأى الهيكل، ورأى المخطط، ويعلم من أين يبدأ، وإلى أين ينتهي؛ فآمن بالغيب، وترقى عن عالم الحواس.. ليس هذا الإنسان المادي التجريدي، الذي لا يؤمن إلا بما يرى ويلمس ويسمع، وإنما له قدرة على أن ينتقل من عالم المادة إلى عالم المعنى، ويخترق حجب الغيب وحجب المادة، ليصل إلى عالم الغيب.

ومن الغريب أن الذين لا يؤمنون بالغيب الأخروي، يؤمنون بالغيب الدنيوي في هذه الدنيا، وكأن الله أراد أن يقيم الحجة عليهم!.. فالأمواج الكهربائية، والأمواج اللاسلكية، وقوة الجاذبية، والأضواء التي لا تُرى: ما فوق البنفسجية، وما تحت الحمراء، وأشعة الليزر، وما شابه ذلك، كله من الغيب الدنيوي.. إن هذه الأشياء في الدنيا، ولها آثار خارقة، ومدمرة.. ومع ذلك جعلها الله غيباً لا تُدرك بحواس، ولا تلمس ولا تُرى.. من منكم رأى الكهرباء على ما تُعطي من بركة في هذا الوجود؟..

إن من الغريب أن بني آدم يؤمن بالغيب في الدنيا، ولا يؤمن بالغيب في الآخرة، فلئن قال: بأني آمنت بالغيب الدنيوي لآثاره.. فلِمَ لا يؤمن بالغيب الأخروي لآثاره؟.. أليس الله عز وجل له هذه الآثار؟!.. فانظروا إلى آثار رحمة الله!.. فلماذا لا تؤمن بهذا الغيب، وتؤمن بهذا الغيب؟.. الذين يؤمنون بالغيب؛ الإيمان بالغيب بكل ما غاب عن بصرك، سواء في ذلك المبدأ، وسواء في ذلك المعاد.. ولهذا في آخر هذه الآيات يقول:{وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يخص المعاد وهو غيب بالذكر أيضاً.

فإذن، إن المشكلة في بعض السالكين الذين يقفون في سيرهم، أن حركتهم وسيرهم ليست مشفوعة بحركة علمية.. ولهذا على المؤمن أن يمتلك هذا البنيان النظري، من أين يصل إلى هذه البنية العلمية في التكامل والسير؟.. إن هناك ثلاثة أبواب إسلامية: باب الاكتساب.. وباب التدبر.. وباب الإلهام والإلقاء في الروع.

أولا: باب الاكتساب: أن نقرأ ما اكتسبه الآخرون، فإنه لدينا بعض الكتب في الكلام والعقائد والعرفان والأخلاق، وهي حصيلة حياة أحدهم.. فهناك بعض الناس قد يعيش عشرين أو ثلاثين سنة في تأليف كتاب واحد منقح، فهذا الكتاب ثمرة حياته.. ككتاب جامع السعادات، الذي هو ثمرة حياة النراقي.. وكتاب المحجة البيضاء، ثمرة حياة الفيض.. وأمثالهم.. فالإنسان في ليلة، أو ليلتين، أو في أسبوع، وإذا به ينقل ثمرة حياة إنسان مؤلف مجاهد إلى فكره وإلى قلبه.. ولهذا فإن المؤمن السالك إلى الله عز وجل، لا يمكن أن يستغني عن عالم المعرفة وعالم القراءة.

ثانيا: التدبر والتأمل: إن الله عز وجل أعطاك فكراً، وأمرك بالتدبر.. والتدبر في كتاب الله، وفي الطبيعة، وفي الحياة، وفي حركة الوجود، لا يحتاج إلى تخصص، فإن القضية تتوقف على التأمل وعلى التحليل.. وهذه قضية فطرية، فالإنسان يُكوّن صورا مترتبة، ثم ينتقل من المبادئ إلى النتائج.. أنت أيضاً بإمكانك أن تخوض هذا العالم!.. ولهذا حتى في أشعار الجاهليين، الذين جاءوا قبل النبي (ص) ولم يعترفوا برسالة، يلاحظ من خلال قصائدهم أن هناك فكرا وفهماً وتدبراً، ولو على مستوى تحليل بعض مظاهر الطبيعة.. فإذن، إن التدبر أيضاً من صور امتلاك هذه البنية.

ثالثا: الإلهام، والإلقاء في الروع: إذا تدبر الإنسان، واكتسب العلم من غيره، واكتسب من عقله وفكره.. عندئذ يأتي ذلك المدد الإلهي، لُيلقي في روعه ما لا يلقي في روع الآخرين.. وهنالك المعرفة الإشراقية، فالله عز وجل يعلم كيف يُلقي في روع عباده ما يُلقي، إما مباشرة أو عبر ملائكة.. قد يُلقي في روع عبده في ليلة واحدة حصيلة تجارب الآخرين، أو على الأقل يُحوّل الإيمان النظري إلى سكون في النفس.. وهذا هو معنى الإيمان، {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} غير المعترفين بالغيب.

فالإنسان قد يعترف، وقد يعلم، وقد يتيقن بالغيب.. إلا أنه لا يتحول إلى قوة مطمئنة، فالإيمان فيه عنصر الاطمئنان والأمن.. والاطمئنان والأمن قد لا يقترنان مع العلم.. هنا يأتي دور الغيب في أمرين: الأمر الأول في إعطاءك المعرفة النظرية، وثانياً في تحويل المعلومة النظرية إلى حالة اطمئنان ويقين باطني.. (هم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، كأن زفير جهنم في أصول آذانهم).

بقلم:الشيخ حبيب الكاظمي

الجمعة، 8 يناير 2016

فضل حديث الكساء

فضل حديث الكساء
- إن هناك حديثي كساء: حديث الكساء الذي رواه جميع المسلمين، عندما جمع النبي الأكرم (ص) تحت الكساء اليماني، أهل بيته علامة التمييز، حتى لا يظن أن هنالك شخصاً آخر غير هؤلاء.. وجعل في هذا الكساء الحسن والحسين وعلي وفاطمة (ع)، وهو أيضاً كان على رأس هذه المجموعة.. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالتْ: (جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِطَعَامٍ لَهَا إلَى أَبِيهَا، وَهُوَ عَلَى مَنَازِلِهِ فَقَالَ: "أَيْ بُنَيَّةُ، ائْتِينِي بِأَوْلَادِي وَابْنَيَّ وَابْنِ عَمِّكِ"، قَالَتْ: ثُمَّ جَلَّلَهُمْ أَوْ قَالَتْ: حَوَى عَلَيْهِمُ الْكِسَاءَ، فَقَالَ: "هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَّتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا".. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟.. قَالَ: "أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ"، أَوْ "إلَى خَيْرٍ").. وآية التطهير من الآيات المرتبطة باسم أهل البيت (ع): {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.. {إِنَّمَا} أداة حصر.. في كتب الفريقين أهل البيت في هذه الآية مفسر بهذه الذوات المباركة.. وأحد المحققين المعروفين، وهو السيد مرتضى العسكري، ألف كتيباً باسم حديث الكساء بين الفريقين، وجمع المصادر.

- ولكن هنالك حديث كساء منقول نقله البعض كالطريحي في كتاب المنتخب، وغيره من العلماء الآخرين.. نحن لا نقول: بأن هذا الحديث حتماً صحيح السند، وإن كان البعض يرى ذلك، ولكن في الأدعية وفي النقل التأريخي وفي المستحبات وفي الآداب الأخلاقية، يقول العلماء: لا داعي لإثبات الصحة السندية، لأنه ليس هناك إلزام في البين.. فدعاء الجوشن هذا دعاء منقول، ولكن ما الذي يضر إن كانت الرواية صحيحة أو ضعيفة، ما الذي يضر الإنسان أن يقول: الغوث الغوث خلصنا من النار يا رب!.. ليس من الضروري أن نبحث عن سند الحديث.

- إن هناك رواية تقول: (صوموا تصحوا)!.. هل من الضروري أن تكون هذه الرواية صحيحة السند؟.. فالصوم فيه جانب صحي.. فإذن، ليس في كل صغيرة وكبيرة، علينا أن نتثبت من صحة الرواية.. نعم، هناك أعمال ما أنزل الله بها من سلطان: كأن توزع ورقة ويطلب من الشخص أن يوزعها -مثلا- على عشرين شخصا، وإلا فإنه سيحدث كذا وكذا.. هل هذا أسلوب الدعوة إلى الله؟.. ليس هناك حديث واحد في كتب الأئمة (ع)، يقول: إذا لم يقرأ أحد هذا الدعاء، سيحدث فيه كذا وكذا؟.. لا يوجد هكذا تهديد أبداً!..

- إن الأمر بالنسبة إلى حديث الكساء والندبة وكميل والصباح، هذه الأدعية المراد أن يقرأها الإنسان برجاء المطلوبية.. في الرسالة العلمية، يقول: المستحبات التي في هذه الرسالة، يؤتى بها برجاء المطلوبية؛ أي يا رب، أنا لا أجزم أن هذا مطلوب، ولكن أرجو أن يكون مطلوباً.. والذي يعمل العمل برجاء المطلوبية، هذا علامة التعبد والتشرع والرغبة في العمل بالوظيفة الشرعية.

- إن البعض يقول: لا مشكلة نقرأ حديث الكساء -إن شاء الله مأجورين- ولكن آخر الحديث فيه مبالغات!.. كيف نصدق: (ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض، وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا.. إلا ونزلت عليهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا)؟.. أولاً: هذا أجر بسيط في روايات أهل البيت (ع)، حتى في روايات الفريقين هو عمل بسيط، فمثلا: (من قرأ هذا الدعاء في كل يوم من رمضان، غفر الله له ذنوب أربعين سنة: اللَّهُمَ!.. رَبَّ شهرِ رَمَضانْ، الذيِ أَنزَلتَ فيهِ القُرآنْ، وَافترَضت علَى عبِادِكَ فيهِ الصِّيام.. ارزُقنيِ حجَّ بيتِكَ الحَرامِ فيِ هذاَ العَامِ وَفيِ كلِّ عام، واغفِر ليِ الذُّنوبَ العِظَام، فإنه لا يغفِرُها غيرُكً ياَ ذاَ الجلالِ والإكرام)؛ هل أربعة أسطر، تغفر ذنوب أربعين سنة!.. نعم، هذا الأمر ليس صعبا على رب العالمين.. فجماعة الحاسوب والكمبيوتر، يختارون ملفا بوزن ثقيل، فيه آلاف الصفحات، وبكلمة (إلغاء) كله يمسح، وكذلك بضربة يمسح الكمبيوتر كله.. هل من الصعب أن يقوم رب العالمين بهذا العمل بالنسبة إلى الإنسان في ليلة القدر، هل يعجزه ذلك؟.. هو صاحب النفس، هو يريد أن يمسح الذنوب.. طبعاً يجب أن يكون الجهاز سالما، وإلا إذا كان محروقا؛ فإنه لا يقبل الإصلاح والتعديل.. ولكن إذا كان الأصل سالما، وأصيب بالفيروسات، فإن رب العالمين يساعده على تجاوز هذه المحنة.

- إن نزول الرحمة في مجلس يذكر فيه فضائل أهل البيت (إلا ونزلت عليهم الرحمة)، هل هذا الأمر غريب!.. يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (شيعتنا الرحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله.. إنا إذا ذكرنا ذكر الله، وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان)، لا اثنينية في البين، فهؤلاء شرفهم بالعبودية.. في التشهد قبل وسام الرسالة، يعطى النبي الأكرم (ص) وسام العبودية، فالنبي عبده؛ أي عبد الله.. يقول علي (ع): (أنا عبد من عبيد محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-)؛ والعبد هنا بمعنى الطاعة، ومن أطاع الرسول، فقد أطاع الله.. فإذا نزلت عليهم الرحمة، فهذا عادي جداً.

- وقال: (وحفت بهم الملائكة).. إن الملائكة في عالم الوجود، لا تعد ولا تحصى.. هناك ملكان حاسبان على اليمين وعلى الشمال {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}؛ أي هؤلاء بيدهم ميكروفون أمام الفم، كلما تتكلم يتحول إلى الكمبيوتر الإلهي العملاق.. ويوم القيامة رب العالمين يقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}، فيتعجب الإنسان ويقول: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}؛ حتى حركات اليد يُسأل الإنسان عنها.. يقول العلماء: إن الملكين الحاسبين يتغيران كل يوم.. فإذن، إن الملائكة كثيرة، وتحف بنا فهذا أمر عادي جداً.

- وقال: (واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا).. إن الملائكة مكسورة الخاطر على بني آدم؟.. نعم، إن الذي يرتكب المعصية، يجعل رب العالمين يتأذى، والنبي في عالم البرزخ يتأذى، والملائكة التي في العرش تتأذى، وتستغفر لمن في الأرض.. في العرش ملائكة كروبين شغلهم وقوتهم الحمد والتسبيح، ولكن عيونهم على بني آدم، وتستغفر لهم.. وهنيئاً لمن تستغفر له الملائكة!.. ولهذا يقال: من يحب النبي وآل النبي (ص)، يجب أن لا يزعجهم بأعماله.. فالنبي (ص) يتألم من معصية الشاب، وإمام الزمان يتألم، فهو الذي تعرض عليه الأعمال كل اثنين وخميس.. ما فائدة اللطم والهتاف باسم الإمام المهدي، إذا كنا كل يوم نرميه بالسهام؟.. نعم، إن المعصية تجرح قلبه الشريف.

الخلاصة، إن حديث الكساء كواقعة في التاريخ من المسلمات الإسلامية.. وحديث الكساء الذي نقرأه نحن، منقول في بعض الكتب، فالطريحي وغيرهم يذكرون ذلك.. فإذن، لا غرابة في هذا الحديث برجاء المطلوبية.
بقلم المربي الشيخ حبيب الكاظمي