*طريقك نحو القراءة*
القراءة والكتاب أمران متلازمان ، لا يكاد يُذكر أحدهما إلا ويُذكر معه الآخر ، والتأكيد على أهمية الكتاب ودوره في الحياة يستتبعو التأكيد على أهمية القراءة ، وضرورة أن تكون القراءة أولويّةً من أولويّات حياتنا اليومية .
وفي سبيل تنمية مهارة القراءة السليمة كُتِبَتْ كُتُب ودراسات كثيرة تفاوتت في حجمها وتركيزها ، ونحاول في هذه العجالة أن نُسلِّط الأضواء على هذا الموضوع مراعين جانب الاختصار والتركيز وذلك ضمن المحاور التالية :
المحور الأول : ما هو المقصود من القراءة ؟
المحور الثاني : ما هي أهداف القراءة ؟
المحور الثالث : ما هي أنواع القراءة ؟
المحور الرابع : ما هي مراحل القراءة ؟
المحور الخامس : إرشادات وقواعد في طريق القراءة
المحور الأول : ما هو المقصود من القراءة ؟
من الواضح أنه ليس المقصود من القراءة مجرد التلفظ بألفاظ الكتاب الذي نقرأه ، بل المقصود من القراءة هو تلك القراءة الواعية المشتملة على الاستيعاب والفهم أوّلاً ، وعلى التفكير والتحليل ثانياً ، واستخلاص النتائج والأفكار ثالثاً .
ومن الجدير بالذكر أن تحقيق هذه الأهداف يتحصّل حتى لو لم تكن القراءة شاملةً للكتاب بأكمله سطراً سطراً وكلمةً كلمة ، كما ستعرف ذلك عند الحديث عن بعض أنواع القراءة في المحور الثالث .
المحور الثاني : ما هي أهداف القراءة ؟
تتنوع أهداف القراءة تبعاً لتنوع الميول والتوجّهات الشخصيّة لكل فرد ، إلا أنّه يمكننا استخلاص أهم الأهداف العامَّة في مجموعة من النّقاط نذكرها تباعاً فيما يلي :
1. القراءة طلباً للثواب والقرب الإلهي باعتبارها ( أي القراءة ) أمراً إلهياً وعبادةً واعية حثَّ عليها الشّارع المقدّس .
2. القراءة لتهذيب النفس وتحصيل الكمالات .
3. القراءة لأجل كسب المعلومات وتحصيل المعارف العامة ، وهذا الهدف مُطّرد فلا تنفك القراءة عنه بحال .
4. القراءة لتلبية حاجة حب الاستطلاع التي جُبِل عليها الإنسان .
5. القراءة لامتلاك البصيرة الحياتية والقدرة على حل المشكلات .
6. القراءة لتوسيع المدارك العقلية وتنمية القدرات والمواهب الذهنية .
7. القراءة للاستفادة من تجارب الأمم والحضارات .
8. القراءة للتسلية .
ولا يخفى أن بعض هذه الأهداف قد تتداخل فيما بينها وقد تجتمع مجموعةٌ منها عند شخصٍ واحد . ولا يفوتنا أن نُبيِّن أخيراً على أنَّ الغاية الأسمى للقراءة هي أن تنعكس القراءة إيجاباً على سلوك الإنسان وتفكيره ، وأن تُسهمَ في بناء شخصيّة الإنسان وتكامله في الحياة .
المحور الثالث : ما هي أنواع القراءة ؟
ذكر المُهتمّون أنواعاً متعدّدة للقراءة والمطالعة ، نذكر فيما يلي أهمّها :
النوع الأول : القراءة الاستكشافية :
في هذا النوع من القراءة يُحاول القارئ تكوين انطباعٍ أوّليٍّ حول الكتاب وذلك بالاطلاع على غلاف الكتاب وعنوانه وعلى قائمة المحتويات والمصادر وبعضاً من صفحات الكتاب بنحوٍ سريع .
وعادةً ما يُلجأ لهذه الطريقة لتكونَ وسيلةً للوصول إلى قناعةٍ لشراء الكتاب أو عدم شرائه .
النوع الثاني : القراءة السريعة :
يُعدُّ هذا النوعُ من القراءةِ فنّاً تُعقدُ لتدريسه الدورات ، وتقوم بتدريسه الكثير من الجامعات . وترتكز هذه القراءة على المرتكزات التالية :
• أولاً : محاولة اصطياد وتلقّف الأفكار الرئيسية للكتاب دون التوقّف عند التفاصيل والعبارات الزائدة .
• ثانياً : عدم التراجع في قراءة النص لتوّهم عدم فهمه . نعم ، لا بأس بإعادة الأفكار الرئيسية والثانوية بعد الانتهاء من قراءة الكتاب أو بعد إنهاء فصلٍ من الكتاب .
• ثالثاً : محاولة توسعة مجال النظر بنحوٍ يتمكن القارئ من قراءة مجموعةٍ من الكلمات في وقتٍ واحد .
• رابعاً : عدم السماح للنَّفس بنُطق ألفاظ الكتاب ، بل يُلزمها على القراءة بنحوٍ صامت .
ولا يخفى أنَّ هذا النوع من القراءة لا يصلُ إليه القارئ إلا بعد أن يكونَ قد قطع شوطاً جيداً في القراءة والمطالعة .
النوع الثالث : القراءة التَّخصُّصيَّة :
ترتكز هذه القراءة على العمق والتَّركيز والتَّمحور حول موضوع واحد ، وتتَّسِم بالبطء والهدوء ، وفيها يُكثِر القارئ من طرح التّساؤلات والحوارات مع النص .
ولا بُدَّ في هذا النَّوع من القراءة من التَّنظيم الدّقيق ، ويُفضَّلُ فيها الاستعانة بالخرائط الذهنية التي تُعينُ القارئ على الفهم والاستذكار .
وتُعدُّ القراءة التَّخصُّصيَّة من أفضل أنواع القراءة وأكثرها فائدة .
النوع الرابع : القراءة التَّحليليَّة :
تتميّزُ هذه القراءة بتحليل المحتوى ومحاولة تمحيصه وتصنيفه ، وخلالها يُحاول القارئ قراءة ما وراء النص واكتشاف ما يرمي إليه المؤلف مما لم يُفصح عنه في النص .
ومن أهم ركائز هذا النوع من القراءة هي أن يقوم القارئ بالرَّبط بين ما يحتويه نص الكتاب من معلومات وبين مخزونه الفكري السَّابق ، مما يُعينه لرُبّما على التوصُّل لنتائجَ جديدة لم يصل إليها المؤلف في كتابه .
النوع الخامس : القراءة النّقديَّة :
وفيها يكون القارئ مُتهيِّئاً لنقد الآراء والأفكار التي يقرأها ، فيُخضِعَها للبحث والتمحيص ، ومن ثمَّ يتّخذ قراره بشأنها رفضاً أو قبولاً .
وغالباً ما يكون القارئ هاهنا مُحمّلاً برأيٍ مُسبق ، فيُحاكم المؤلّفَ بناءً على رأيه ، لكنَّ ذلك لا يعني أن لا يكون مُنصفاً ، بل عليه ما استطاع أنْ يكون محايداً وأن لا يستعجل القرار ، وله في نهاية المطاف وبعد التّأكّد أنْ يُصدر رأيه وانطباعاته تجاه الكتاب ومحتواه .
المحور الرابع : ما هي مراحل القراءة ؟
نذكر فيما يلي إحدى الطرق الفعّالة للقراءة التي وإنْ أدرجها البعض ضمن طرق القراءة السّريعة إلا أنَّها نافعة على كل حال .
تتكون هذه الطريقة من خمسة مراحل :
المرحلة الأولى : مرحلة الاستعراض
المرحلة الثَّانية : مرحلة السُّؤال
المرحلة الثَّالثة : مرحلة القراءة الفعليَّة
المرحلة الرَّابعة : مرحلة الاستذكار والتَّلخيص
المرحلة الخامسة : مرحلة المراجعة
وفيما يلي شرح مختصر لهذه المراحل :
المرحلة الأولى : مرحلة الاستعراض
في هذه المرحلة يقوم القارئ بتكوين الفكرة الأوّليّة حول موضوع الكتاب من خلال إلقاء نظرة عامّة على الكتاب تتمثّل في :
1. النظر إلى عنوان الكتاب .
2. قراءة ما كُتِبَ على الغلاف الأمامي والغلاف الخلفي للكتاب .
3. قراءة مقدّمة الكتاب .
4. الاطّلاع على الخاتمة إن وُجِدتْ .
5. تصفُّح قائمة المحتويات ( الفهرس التفصيلي ) الموجودة إمَّا في بداية الكتاب أو في نهايته ، ومن خلالها يتم التّعرُّف على العناوين الرّئيسيَّة والثّانويّة .
6. إلقاء نظرة عابرة على الصور والجداول والتوضيحات إنْ وُجِدتْ .
وبعد الانتهاء من هذه المرحلة يُصبح لدى القارئ نظرة كُلّيّة حول ما يتحدّثُ عنه الكتاب فيصيرَ بذلك مُتهيّئاً للانتقال للمرحلة التالية .
ولا ينبغي أن تزيد مدَّة هذه المرحلة عن عشر دقائق .
المرحلة الثَّانية : مرحلة السّؤال
وهي مرحلة تحديد الهدف الخاص من القراءة ، فبعد مرحلة استعراض الكتاب ، يُصبح واضحاً لدى القارئ ماهية موضوع الكتاب ، فيستحضر ما يعرفه من معلوماتٍ حول هذا الموضوع ويُحدِّد لنفسه ما يُريد الوصول إليه وما يتوقّع أن يُضيفه هذا الكتاب على مخزونه الفكري من تفاصيلَ جديدة .
ويُمكن للقارئ في هذه المرحلة أنْ يُكوِّنَ أسئلةً ليبحث عن إجاباتها أثناء القراءة من خلال ما يلي :
• العناوين الرئيسية والفرعية التي عَرَفْتَها في المرحلة السابقة بتحويلها إلى أسئلة .
• أسئلة نهاية كلِّ فصل من الكتاب إن وُجدَتْ .
• أسئلة الآخرين المطروحة حول ذات الموضوع .
وبهذا تُصبح القراءة واضحة الأهداف منذ البداية ، وتكون أكثرُ نفعاً وتنظيماً .
المرحلة الثَّالثة : مرحلة القراءة الفعليّة
وهي مرحلة البدء في قراءة الكتاب بشكلٍ فعلي وهي أهم المراحل ، وما سبق من مراحل كان بمثابة التَّمهيد للدُّخول في هذه المرحلة . وعلى القارئ أن يبذل جهده لتحقيق أقصى فائدة ممكنة ،
وهنا عليه أن يُراعي عدّة أمور :
• الأمر الأول : مرونة السُّرعة ، وذلك حسب مستوى ونوع المادة المقروءة .
• الأمر الثاني : تحديد المدَّة التَّقريبيَّة بالأيَّام لقراءة الكتاب ، وتقسيم الكتاب ( على الأيَّام ) إلى أجزاء صغيرة بالصفحات لقراءتها طوال تلك المدَّة .
• الأمر الثَّالث : محاولة إيجاد الإجابات على الأسئلة التي تبادرت إليك في المرحلة السابقة ، وكذا أسئلة آخر كل فصلٍ إنْ وُجِدَتْ .
• الأمر الرَّابع : تدوين الملاحظات والأفكار الرئيسية .
• الأمر الخامس : أخذ قسط من الراحة عند التّعب والإرهاق أو الشُّرود الذّهني .
المرحلة الرَّابعة : مرحلة الاستذكار والتَّلخيص
هذه المرحلة وإنْ كنّا قد أفردناها بالذِّكر إلا أنَّها في الحقيقة متداخلة مع المرحلة السَّابقة ومكمِّلةٌ لها ، حيث ينبغي على القارئ أن يتوقَّف عند قراءة كل فصل أو قسمٍ من الكتاب ليستذكر ما تحصَّل عليه من معلومات في ذلك القسم وليُحاول الإجابة على تلك التَّساؤلات التي وضعها لنفسه سابقاً . ومن الأفضل أن يقوم بالمذاكرة بصوتٍ مرتفع يُحاورُ نفسه أو من يشاركه في القراءة إنْ وُجد . وبهذه الطريقة تقلُّ نسبة النّسيان للمعلومات المستفادة .
والأمر الآخر الذي ينبغي القيام به في هذه المرحلة هو التَّلخيص ، أي تقييد الأفكار الرئيسية واختصارها بنحوٍ لا يُغيّر المعنى وكتابتها في مذكّرة خاصة ، مع الاستعانة برسم الخرائط الذّهنية التي ثبتتْ فاعليّتها في الاستذكار والمراجعة .
المرحلة الخامسة : مرحلة المراجعة
وتأتي هذه المرحلة بعد يومٍ أو أكثر من إنهاء الكتاب أو قسمٍ منه . وهي بمثابة تقويمٍ ذاتي يقومُ به القارئ للتَّأكُّد من قدرته على استدعاء ما قرأه أو كتبه . وفي هذه المرحلة ينبغي القيام بما يلي :
• إعادة نظرٍ سريعة على الهيكل العام للقسم أو للكتاب الذي قرأته .
• التَّأكُّد من تحقُّق الأهداف التي رسمتها لنفسك وتمكُّنك من الإجابة على الأسئلة التي حدّدتها في المرحلة الأولى .
إلى هنا نكونُ قد طوينا مراحلَ القراءة بفعَّاليَّة وحقَّقْنا الفائدة المرجوَّة .
المحور الخامس : إرشادات وقواعد في طريق القراءة
مهارة القراءة كغيرها من المهارات ، لا تُكتسب إلا بالتمرين ، ولا بد لأجلها من تهيئة الأسباب والظروف المناسبة التي تُعين على سلوك هذا الطريق . وهنا نضعُ أيدينا على مجموعة من القواعد والإرشادات التي تأخذ بيدك نحو القراءة :
1. ضرورة الاستمتاع بالقراءة وتحبيبها للنفس .
2. إيجاد الدافع للقراءة ، ولو استشعرَ القارئ أنّه يُمارسُ القراءة تقرُّباً إلى الله تعالى لكفى به مُحفِّزاً ومُشجّعاً له على ذلك .
3. تكوين العادة اليومية على القراءة وذلك بتخصيص الساعة المناسبة التي يكون فيها في قمة نشاطه الذهني ، ولو أمكنه تخصيص مدَّة محدَّدة في اليوم الواحد مهما كانت يسيرة لكان أفضل .
4. ضرورة تهيئة الأجواء المكانية والزمانية المناسبة والبُعد عن المُشتِّتات ( هذا على الأقل في المراحل الأولى ، ولربّما يصيرُ القارئُ في مراحل متقدمة مُتمكِّناً من الاستغراق في القراءة فلا يتأثَّر بالمشتِّتات من حوله ، كما أنّ ذلك يعتمد على نوع المادَّة المقروءة ) .
5. اختيار العناوين المحبّبة للنفس في المراحل الأولى للقراءة .
6. مراعاة التّدرُّج في القراءة ، فيختار لنفسه البدءَ بالكُتيّبات الصغيرة والمواد السّهلة ثمّ يرتقي شيئاً فشيئاً لما فوقها .
*مصادر إضافية لمزيد البحث والاطلاع
1. كيف أقرأ ؟ د. طارق السويدان وَ أ. فيصل باشراحيل . الناشر: شركة الإبداع الفكري للنشر والتوزيع .
2. كيف تُطالعُ كتاباً ؟
إعداد : مركز نون للتأليف والترجمة . الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق