الخميس، 18 يونيو 2015

س/مع أي وفد ياترى؟

مع أي وفد ياترى ؟

بقلم الأستاذ… علي محمد بوخمسين .

س/هل تستطيع أن تتخيل من أعماق وجدانك؟ ..
أنك في ضيافة ملك كريم دعاك لقصره ، وقد ملأ ساحات قصره بأصناف الكنوز والتحف النفيسة ، والمجوهرات الثمينة ، وقد دعاك للتزود بماشئت منها دون حرج…
🌴 فياترى .. كيف ستقضي ساعات وفادتك ، خصوصا اذا علمت انها محدودة بزمن قصير .

١_هناك وفد .. دخل القصر وانشغل بتوافه الامور ، والأحاديث التي لاطائل منها ، حتى انصرمت ساعة الضيافة ، وانصرف مغبون الحظ لم يستثمر فرصة عمره .
٢_وهناك وفد ثان ..من أول خطوة في القصر ، انشغل بمشاهدة اللوحات النفيسة ، والمجوهرات الثمينة ، واختار أثمنها ، وقام حراس القصر بحمل جوائزهم ، وإيصالها لمنازلهم ، وقد قرت عيونهم كثيرا ..لأنها بداية حياة جديدة لهم ، سينعمون برخاء ورفاه لم يحلموا به ابدا .
٣_ وأما الوفد الثالث .. فقد دخلوا بخطوات تسودها السكينة والخضوع ، قد طأطؤا  رؤسهم ، ولم تبدوا منهم التفاتة واحدة نحو تلكم الكنوز الرائعة واللآلئ المثيرة ، بل كان اتجاهم نحو ملك القصر ، غير مبالين بمشاهدة الحراس وتكاثرهم ، ولا بالحشود وتوافدهم ، قد تتابعت خطاهم نحو كرسي الملك ، حتى اذا اقتربوا من عرشه ، أخذت لوعة محبته بمجامع قلوبهم ،  فانحنوا بظهورهم أمام حاكميته ، وأعلنوا فقرهم أمام سعة ملكه .
فعندما شاهد الملك شدة أدبهم بمحضره ، وغاية رغبتهم في القرب منه ، خاطبهم خطابا خاصا ، لم يخاطب به بقية الوفود ، فقال لهم .. تخيروا من كنوز القصر ماشئتم ، بل واختاروا من الأميرات المدللات مااشتهيتم .
وهنا كانت المفاجأة ، فقد أجابوا ..
بمحضر الملك وفي ساحة يملؤها الوزراء والحرس والجواري ، والعديد من الوفود ، والكل يترقب جوابهم ، ويغتبط بما نالوا من الكرامات التي لم يحظ بها احد من العالمين ..
نعم كان جوابهم للملك ، وبصوت ينم عن العبودية الكاملة ..
( ياحضرة الملك العظيم .. لقد جئنا الى قصرك بعدما سمعنا مؤذنك ينادي في كل مكان ، أن هلموا لنيل الجوائز من ساحة الملك الكريم ، ولكننا لم نتأثر بشئ من تلك المغريات ، ولم تجذبنا تلك الكنوز والمجوهرات .وإنما .. أتينا ياسيدي منجذبين لمشاهدة جمالك ، والتشرف بمحضرك ، أتينا ياسيدي لنحمل كنوز النظر إليك ، ومجوهرات التلذذ بالحديث معك ، فأنت اللوحات الثمينة ، وانت الكنوز النفيسة . ( وأنت غاية مطلوبي ومناي في منقلبي ومثواي )

نرجوك ياسيدنا ...نحن نريد ان نصرف الوقت المسموح لنا لهذه الوفادة بأن تسمح لأبصارنا بالاستمتاع بالنظر إليك ، وتمكننا من التشرف بالحديث معك ، فهذا منتهى رغبتنا . ( وقد ترسخت اشجار الشوق إليك في حدائق صدورنا )

عندها خيم الصمت في فناء الملك ، فلاتسمع همسا ولا ركزا ..

والكل يلحظ جواب الملك ويترقب ردة فعله

 عندها وقف الملك من كرسي عرشه ، واتجه نحو هذا الوفد المهيب ، وفاجأ الحشود بأن خلع تاج الملك الذي على رأسه ، ووضعه امام هذا الوفد .. قائلا ...

( لم أر في البلاد والاوطان مثلكم في نفاسة الأدب بمحضري ، وشدة الشوق لمجلسي ، فقد أخذتم بإخلاصكم كل جوانب قلبي ، وصرتم مدعاة لسروري وافتخاري ..

أشهدوا ياوزرائي وحراس قصري وكل من حضر مجلسي ..

أني قد وهبتهم أعلى وسام في مملكتي ، وجعلتهم المقربين في مجلسي ، بل ..وأكثر من ذلك ..

سأجعلكم من المقربين معي في قصري ، اشرككم في أمري ، وأستشيركم في حكمي ، وأستأنس معكم في خلواتي وسمري .)

 عندها…  طابت خواطر هذا الوفد ، وتيقنوا بحصولهم على مبتغاهم ، من شرف القربى من مليكهم ، والاستمتاع بخدمته .

✨أخيرا أحبتي…

نحن في شهر الضيافة الرمضانية مع الله تعالى ، تماما مثل هذه الوفود الثلاثة .

فالوفد الاول…  من ضيع الشهر في اشباع الشهوات والغفلات .

والوفد الثاني من أكثر جمع الكنوز ، بكثرة العبادة والتلاوة ، ولكنه لم توصله كثرة عبادته وبقية اعماله العبادية لملاقاة مولاه ، والتلذذ بمشاهدته القلبية .

واما الوفد الثالث .. فهو من استثمر كل دقيقة في ساحة الضيافة الرمضانية ، لتكوين علاقة شفافة وواضحة ، يستشعرها من خلال حديث روحه مع نافخها أثناء الصلاة وتلاوة القرآن ، ويستشعر الأنس واللذة بالمناجاة ، فكانت هي لذة النظر لجمال الله والانشغال بها عن كل كنوز ومجوهرات . وهي غاية آمال العارفين .

فلننظر أحبتي…  مع أي وفد نريد أن نضع أنفسنا .

🌹أبارك لكم حلول الشهر الكريم ، وكل عام وأنتم بخير .🌹

الثلاثاء، 16 يونيو 2015

دورةعهد الصادقين(ح٤): شرح الفقرة (٣):(ورب البحر المسجور)

دورةعهد الصادقين(ح٤):
شرح الفقرة (٣):(ورب البحر المسجور)

س١/ماذا نستخلص من عبارة(ورب البحر المسجور)؟
س٢/ماذا يقصد بهذه الظاهرة(البحر المسجور)؟

قد يكون من المفيد بان نكرر كلاماً سبق ان رددناه وهو: ان القسم او الاشارة الى ‌بعض الظواهر الكونية، يحمل وظيفةً معرفية هي: تذكر قارئ الدعاء بعظمة الله تعالى في احدى ظواهره الابداعية،وعملية التذكر بهذه الظاهرة او تلك تسهم -ولاشك- في ترسيخ عقيدة القارئ، وجعله (ذاكراً) لله تعالى عوض (الغفلة) او (التغافل) ... وبالنسبة الى‌ ما نحن بصدده الآن هو: التذكر بظاهرة (البحر المسجور)....
ونحسبك ستتساءل عن المقصود من الظاهرة المذكورة، حيث ان التذكر بالبحار مثلأ يظل واحدا من المظاهر الحسية لكل متأمل ... فالسماء و الارض والبحر مثلا تظل من المظاهر المألوفة لدى البشر، كل ما في الامر ان التفكير بعظمة موجدها من جانب، والتفكير بمعطياتها التي سخرها الله تعالى للانسان ولسواه من جانب آخر: يظل أحد أهم أركان الوظيفة العبادية للانسان من حيث ضرورة ان يحيا (ذاكراً) لله تعالى لا (غافلاً) ...

والمهم الآن هو: التفكير بظاهرة (البحر المسجور) ... وهذا مايدعنا نتساءل من جديد: ماذا نستخلص من التذكر بهذه الظاهرة؟
بالنسبة الى (البحر) لا أعتقد اننا نحتاج الى تذكير قارئ الدعاء بأهميته وعطائه، ويكفي انه المادة التي يقول الله تعالى عنها في كتابه الكريم انه جعل من الماء كل شئ حي... بيد ان الملفت للنظر هو (الصفة) التي خلعها(أطلقها)الامام الصادق (عليه السلام) على (البحر) وهي صفة (المسجور) فماذا تعني كلمة (المسجور) اولاً؟ وما هي خطورتها ثانياً؟
النصوص المفسرة تتفاوت في تحديد دلالة (المسجور) فالبعض يشير الى انه (الممتلئ) الذي يركم بعضه على بعض ... والبعض الآخر يشير الى انه (المحمي) بالنار كالتنور مثلاً...
وفي الحالتين فان استخلاص الدلالة او العظة منهما تتمثل بالنسبة‌ الى التفسير الاول وهو (الممتلئ): تفسر جمالياً ودلالياً من حيث كثرته وتماوجه، ومن ثم: فان الذهن يتداعى مع ذلك الى ظاهرته المألوفة والمهمة جدا ونعني بها: ان جعل من الماء كل شئ حي...
لكن: لننتقل الى التفسير الآخر وهو: البحر المحمي بالنار، حيث وردت نصوص تقرر بان البحار في اليوم الآخر تحمى وتتحول نيراناً يتفجر بعضها في البعض الآخر...

هنا: يثار التساؤل من جديد: ما هي العظة او الاستخلاص الذي يرشح به التذكير او القسم بالبحر المسجور؟ ...
لا نعتقد اننا نحتاج الى تأمل طويل لندرك دلالة ما تعنيه العبارة المذكورة.... بيد اننا سنتجاوز الاشارة العلمية الحديثة الى اعماق البحار وصلتها بما هو مسجور، ونتجه الى انعكاسات ذلك في اليوم الآخر، حيث نعرف جميعاً ان النص القرآني الكريم طالما (يقسم) بظواهر اليوم الآخر، ويخلع عليها السمات المرعبة والمهولة من امثال (القارعة) و(الطامة) و(الحاقة)...،مستهدفاً ‌من ذلك لفت الانتباه على اليوم المذكور، وهو اثر يعكس اثره الملحوظ على‌ المتلقي للنص القرآني الكريم، بصفة ان (العقاب) او (الترهيب) يجسد أحد الأساليب المؤثرة في الشخصية من حيث التعديل لسلوكها العبادي...

يبقى‌ ان نتساءل او نطرح سؤالا آخر هو: ما هي المناسبة بين الاشارة الى (النور) و(الكرسي) وبين البحر المسجور؟
هذا من جانب ... من جانب آخر: سنجد بعد جملة فقرات: عبارةً تتصل بظاهرة كونية اخرى هي (الظل والحرور) فيما ورد تفاوت في تفسيرهما ايضاً، حيث يذهب بعضها الى ‌ظل الليل وسموم النهار، ويذهب البعض الآخر الى الجنة والنار، : وفي الحالتين، فان التفسير بانهما الظل والسموم في الليل والنهار: يظل تذكيراً بحكمة الله تعالى في إبداعه لهاتين الظاهرتين: بغض النظر عن ادراكنا المعرفي لهما او عدم ذلك.... واما في حالة الذهاب الى أنهما اشارة الى‌ الجنة ‌والنار (وهو اثر المح المعصومون (عليهم السلام)اليه عندما استشهدوا برجال من اهل الجنة وآخرين من اهل النار...
والمهم: ان استخلاص العظة: من هذه العبارة يتفاقم اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الامام الصادق (عليه السلام) في هذا التذكير الجديد (الظل والحرور) جعل ذهن قارئ، الدعاء يتداعى الى أسلوبي الكلام (الترغيب والترهيب)، فيما اعتمد عليه السلام في عبارة (البحر المسجور) اسلوب الرهبة، اعتمد في عبارة (الظل والحرور) اسلوب (الرغبة) ايضاً: ويكون بذلك قد تدرج عليه السلام- من الزاوية النفسية- من الرهبة اولاً،‌ ثم: ارداها بالرغبة، ولكن من خلال المقارنة بين الجنة والنار، وندبك يكون الدعاء قد سحب أثره البالغ على‌ القارئ : اذا كان - بطبيعة الحال- واعياً لما يقرأ وليس غافلاً....
بعد ذلك نتجه الى (ظواهر كونية) اخرى وردت في مستهل دعاء العهد، وهو مانحدثك عنه في لقاءات لاحقة إن شاء الله تعالى...

*نقل بتصرف من الموقع: (Arabic.irib.ir)

الأحد، 14 يونيو 2015

عهد الصادقين(ح٣): شرح الفقرةالثانية:(ورب الكرسي الرفيع)

عهد الصادقين(ح٣):
شرح الفقرةالثانية:(ورب الكرسي الرفيع)

     نحدثك الآن بحسب تسلسل الظواهر التي أقسم بها الامام(عليه السلام) أو لنقل: الظواهر التي ألمح الامام عليه السلام الى أن الله تعالى (رب) لها، اي: المدبر لها... واول قسم او ظاهرة‌ ترد بعد ظاهرة (النور العظيم) هي قوله(ع): (ورب الكرسي الرفيع)... وهذا ما نحدثك عنه الآن...

اننا نتساءل اولاً: ما المقصود (الكرسي)، هل هو وجود حسي او مادي (كالبحر، أو السماء، او الشمس أو الزيتون...الخ)، ام انه وجود (معنوي)؟
طبيعياً، لانتوقع من قارئ الدعاء ان يعترض علينا ويقول مثلاً: ما فائدة ان نبحث عن معنى (الكرسي)؟ لاننا نجيبه ان قراءتنا اليومية للدعاء تفرض عليناً معرفة‌ ما تعنيه كلماته، والا كيف نندب شخصية العصر(ع)، ونجهل عباراتنا التي نمهد بها لمخاطبته؟...
اذن: لامناص من معرفة ذلك، وهو: البحث عن الدلالة التي نستخلصها من عبارة (الكرسي).
النصوص الواردة عن المعصومين عليهم تتفاوت في تحديدها لدلالات الكلمة المذكورة،... فهناك من يقارن بينها وبين كلمة (العرض)، فيجد ان العرش هو الاوسع من الكرسي، وان الكرسي هو دونه... وهناك من يذهب الى ‌ان (الكرسي) رمز للعلم،... وهناك من يقرر بان (الكرسي) رمز للملك... الخ، لكن قبل ان نستخلص الدلالة الاكثر لصوقاً بمحدودية اذهاننا لابد وان نشير الى الامام الصادق عليه السلام قدم لنا سمةً او وصفاً (الكرسي) بانه (رفيع)، اي: يتسم بالرفعة... ولعل الاتسام بالرفعة يقرب الى الذهن بان (الكرسي) يرمز الى ‌(الملك).... ويسعفنا على هذا الاستخلاص ان الآية المعروفة (آية الكرسي)، تربط بين (الكرسي) وبين السماوات والارض، ‌حيث تقول (وسع كرسيّه السماوات والارض، ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم)، فبقرينة انه تعالى يسع كرسيه السماوات والارض، وبقرينة‌ انه تعالى لا يثقل عليه حفظهما (اي السماوات والارض): حينئذ نستخلص بان المقصود هو (الملك)... هذا بالاضافة الى ان آية الكرسي تشير الى سمة (العلي) لله تعالى، حيث ان (العلو) و (الكرسي) يرمزان الى ‌دلالة متوازنة كما هو واضح...
يبقى ان نتساءل عن (التداعي الذهني) الذي يترتب على قارئ الدعاء من وراء استخصاره لمعنى (الكرسي)،... اي: انك (بصفتك قارئاً لدعاء العهد) عندما تمر على ذهنك عبارة (رب الكرسي الرفيع): ماذا يتداعى ذهنك اليه؟
ج/طبيعيا، نستحضر عظمة الله تعالى، بصفته (المدبر) لهذا الوجود، وبصفته المهيمن عليه، وبصفته صاحباً (الرفيع) عن فاعليته الوحيدة على الوجود المذكور هذا من جهة... ومن جهة اخرى: ينبغي أن لا يغيب عن اذهاننا ان استحضار عظمة الله تعالى (من خلال تدبيره او هيمنته) يظل غير منفصل (ولو لاشعورياً) عن ظاهرة (الندب) لشخصية العصر الامام المهدي(ع) بصفة ان ظهوره(ع) من الحتميات التي وعد الله تعالى عباده بها، حتى يملأ الارض عدلاً بعد ان ملئت جورا... وحينئذ، فان (النصر) الموعود يظل - من حيث أثره النفسي على قارئ الدعاء- امراً لا ترديد البتة‌ في تحقيقه: مادام الله تعالى (وهو رب الكرسي الرفيع) المالك لهذا الوجود، والمهيمن عليه، قادراً تماماً على تحقيق وعده المذكور....
هنا، بعد ان حدثناك اولاً عن الفقرة الاستهلالية لدعاء العهد متمثلة في عبارة (رب النور العظيم) وهي العبارةً الشاملة لمفردات متنوعة، جاءت مفردة (رب الكرسي الرفيع) من مصاديقها... عند ذلك سوف نواجه عبارات او مفردات (جزئيةً) مثل (رب البحر المسجور) وهي فقرة او عبارة تستوقفنا-دون اونى ‌شك-حيث جاءت في سياق (النور) و(الكرسي) وهما رمزان شاملان لفاعلية الله تعالى وهيمنته المطلقة، بينما جاءت عبارة (البحر المسجور) مفردةً ‌(جزئيةً) دون غيرها من عشرات الظواهر الوجودية... فما هو السر الكامن وراء ذلك؟... هذا ما نحدثك عنه في لقاء لاحق إن شاء الله تعالى.

⊙نقل بتصرف من موقع(Arabic.irib.ir)

عهد الصادقين (ح٢)

عهد الصادقين (ح٢)
نقرأ مقدمة الدعاء المتضمنة (قسماً) بجملة ظواهر على النحو الآتي:
(اللهم: رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر المسجور، ومنـزل التوراة والانجيل والزبور، ورب الظل والحرور، ومنـزل القرآن العظيم، ورب الملائكة المقربين والانبياء والمرسلين...)

   هذا الاستهلال للدعاء يتضمن نقاطاً ثلاثة من (القسم)، هي:
١_القسم بعظمة الله تعالى من حيث الاشارة الى ظواهر ابداعية: كالنور، والكرسي، والبحر والظل والحرور..
٢_القسم ببعض رسالاته الى المجتمعات البشرية..
٣_القسم بملائكته وانبيائه ورسله ...

     ويعنينا ان نحدثك عن كل واحدة من الظواهر المشار اليها، حتى نصبح على وعي بما نقرأ من الدعاء المذكور...
بالنسبة الى الظاهرة الاولى ‌وهي انه تبارك وتعالى (رب النور العظيم)، وكذلك (رب الكرسي الرفيع): تستو قفنا عبارة و (رب) دون سواها من العبارات المشيرة الى مبدع الكون (الله تعالى) سمها الإله مثلاً او الملك... أي: أن قارئ الدعاء قد يتساءل ويقول: لماذا اطلق الامام(ع) كلمة (رب) عبر رصده لهاتين الظاهرتين (النور) و(الكرسي)... طبيعياً: يرد نفس السؤال بالنسبة الى ظواهر اخرى وردت في مقطع الدعاء المذكور مثل قوله عليه السلام (رب البحر المسجور) (رب الظل والحرور)،... وايضاً بالنسبة الى الملائكة والانبياء والمرسلين: استخدم الامام(ع) نفس العبارة فقال رب الملائكة...
         ان هذه الاسئلة عندما تطرح: انما تنطوي الاجوبة عنها على أسرار يتعين على قارى الدعاء معرفتها، بخاصة اذا أخذنا بنظر الاعتبار ملاحظة ان النصوص الشرعية تستخدم عبارات متنوعة للتعبير عن مبدع الوجود (الله تعالى) كما هو ملاحظ مثلاً في سورة (الناس)... ان كل واحد منا عندما يقر سورة (الناس) تستوقفه ثلاث عبارات متنوعة تطلق على (مبدع الوجود) وهي: الرب، الملك، الإله، حيث تقول السورة بسم الله الرحمن الرحيم (قل اعوذ برب الناس/ ملك الناس/ اله الناس..)
    ان هذه السورة تتناول الاستعاذة بالله تعالى من شر الوسواس الخناس/ الذي يوسوس في صدور الناس/ من الجنة والناس) بمعنى ان السورة تتحدث عن الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان، وحينئد فإن الله تعالى هو الجهة التي نستعيذ بها، ولذلك نتساءل: لماذا جاء الوصف لهذه الجهة، مرة بكلمة (رب الناس) والثانية بكلمة (ملك الناس) والثالثة بكلمة (اله الناس) .... ألا كان من الممكن ان يقال بانه (رب الناس) او (ملك الناس) او (اله الناس) كما هو وارد نه نصوص قرانية اخرى دون ان تتنوع بهذا الشكل؟... طبيعياً، ثمة اسرار تقف وراء الانتخاب المذكور، متمثلة - في جملة تتمثل فيه- بان كلمة (الرب) من حيث جذرها ترتبط بـ(التدبير) اي (المدبر)، واما كلمة (الملك) فترتبط بالسيادة والقدرة، واما (الاله) فترتبط بالعبودية... والسؤال هو: ما هي الاسرار الكامنة وراء الاستعاذة بالله تعالى من خلال ثلاث عبارات متنوعة بالنسبة الى وسوسة الشيطان؟...
         من البين ان الشيطان يعد المصدر الوحيد لاضلال البشر، ... وحينئذ فان الاستعاذة منه ينبغي ان تتم على ‌شتى مستويات القوة الرادعة للشيطان،... من هنا فان الاستعاذه بالله تعالى من خلال كونه (رباً) اي (مدبراً) يشكل جزءاً من القوة الرادعة (بصفة ان الالتزام بمبادئ الله تعالى ويعد مادةً تربوية عظمى)... وايضاً من خلال كونه (ملكاً) اي (سيداً وقادراً) : يعني: الهيمنة والسيطرة على الموقف، ... ثم سمة (الإله) من حيث كونها تعني: العبودية له تعالى... فإذن : الاستعاذه بالله تعالى تشمل اية قوة محتملة تقف امام الوسوسة الشيطانية التي قد توسوس من خلال التزيين لمبادئ ضالة، أو التخويف من عمل خاص،‌ أو الانصياع اخيراً‌ لها... ولكن: بالنسبة الى الدعاء الذي نحن بصدده فليس الموقف يرتبط بظاهرة متشعبة الجهات بل يرتبط بابداع الله تعالى لظواهر كونية ذات انظمة خاصة مفتقرة الى (تدبير) (نظام) محكم، وهو ما يتناسق مع عبارة‌ (رب) لانها تعني (التدبير) للكون...
      اذن: اذا كان البشر في إستعاذته بالله تعالى من الشيطان بحاجة الى (التدبير) و(السيادة) و(العبودية) فان الامر يختلف بالنسبة الى الظواهر الابداعية التي لا تقرن الا بعملية (التدبير) او (التنظيم) لهذه الظواهر المتنوعة: سواءً أكانت تتصل بالنور او الكرسي أو البحر أو...
      ومع ضوء هذه الحقائق، نتقدم الى مفردات الدعاء المذكور لنحدثك عنها، ونعني بها: الظواهر المرتبطة بالنور، والكرسي، وسواهما...

*المصدر: (Arabic.irib.ir)

الأحد، 7 يونيو 2015

عهد الصادقين (ح١)



مقدمة حول أهمية دعاء العهد

يعد واحداً من الادعية الى لا تكاد شخصية ملتزمة تترك قراءته يومياً، حيث ورد عن الامام الصادق عليه السلام: ان من واظب على قراءته أربعين صباحاً كان من أنصار شخصية العصر(الامام المهدي عليه السلام)،... والمهم هو أن لقراءة هذا الدعاء والمواظبة عليه يومياً دلالة خاصة، لا لأن التحديد باربعين صباحاً يفسر بانه أقل المطلوب بل لان التعامل مع امام العصر يتطلب في الاقل أن نحياه من خلال دقائق من التذكير والا فان المعايشة مع امام العصر عليه السلام ينبغي الا نفصلها عن حياتنا ما دمنا - أساساً- مطالبين بان نعرف امام العصر عليه السلام،... والمعرفة ليست مجرد ان نستحضره ذهنياً بقدر ما ينبغي ان نتعاطف وجدانياً وفكرياً مع الموقف: كما هو واضح...

المهم، بما ان (دعاء العهد) هو احد الادعية المهمة التي تقرأ صباحاً: حينئذ فإن الالمام بمعاني هذا الدعاء وبايتضمنه من الأسرار يفرض علينا تحليل الدعاء والوقوف عند فقراته وملاحظة ذلك بالتفصيل حتى نصبح على وعي تام بما نقرأ من خلال توجهنا الى الله تعالى من جانب، والدعاء لامام العصر(عج) من جانب آخر...

اذن: لنتقدم بالحديث عن هذا الجانب....

يبدأ (دعاء العهد) بمقدمة خاصة، تشكل القسم الاول من مقاطعه، ... وهذه المقدمة تنطوي على (القسم) بجملة من الظواهر الإبداعية ومبدعها- بطبيعة الحال.... ثم تتجه الى الحديث او الدعاء لشخصية امام العصر(عج) ...

وما نعتزم لفت نظرك اليه هو: ان ظاهرة (القسم) بالله تعالى، أو بصفاته أو بإبداعه، او رسالاته ، يعد واحداً من الأساليب التي يعنى الله تعالى بها في القرآن الكريم... ولا نحسبك غافلاً عن عشرات الأقسام التي يزخر بها القرآن الكريم: كالقسم بالشمس وضحاها، والقمر، والنهار، والليل، والسماء، والارض، والفجر، و.... كما ان أدعية ونصوص المعصومين عليهم السلام تزخر بدورها بظاهرة (القسم) بالله تعالى، وبعظمته، وبصفاته، ومعطياته، وابداعه....، هنا، نحسبك او نتوقع منك تساؤلاً عن السبب الكامن وراء (القسم) بهذه الظاهرة او تلك... وحينئذ فان الإجابة عن السؤال المتقدم من الممكن ان تتضح تماماً اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان آية ظاهرة كونية تتصل بالله تعالى وبعظمته وبابداعه وبمبادئة او رسالاته التي يبعثها الى المجتمع البشري: انما تتميز بكونها معطيات ضخمةً لاحدود لتصور مداها او مقارنتها بأية معطيات بشرية محدودة... وحتى هذه المعطيات البشرية تظل بتمكين من الله تعالى كما هو واضح... وواضح ايضاً ان غالبية البشر- عدا النخبة- تكاد تتغافل وتتناسى، ولا تستحضر في ذهنها: معطيات الله تعالى، فضلاً عن كونها تغفل اساساً عن فلسفة وجودها في الارض والهدف من الوجود المذكور...

ان اي واحد منا اذا سمح لنفسه بان يفكر لحظات معدودةً، وتوصل الى ان الله تعالى يقرر وبوضوح (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)... نقول: لو استحضر الشخص هذه الآية الكريمة في ذهنه: لادرك بان وظيفته في الحياة هي ممارسة (العمل العبادي) اي: ممارسة العمل الذي، رسمه الله تعالى لنا، متمثلاً في الشريعة الاسلامية بكل مبادئها المرتبطة بالحياة الفردية والاجتماعية، وبشكل الانماط المرتبطة بالاحكام والقناعة والاخلاق، اي: بكل حركة من الانسان، بحيث يوظفها من اجل الله عز وجل، وفي ضوء هذه الحقيقة، فان التذكير بالله تعالى، وبعظمته، وبظواهره الابداعية، وبرسالته الى المجتمع البشري...، نقول: ان التذكر بهذه الحقائق من خلال القسم بها يظل واحداً من الأساليب التي تحمل الشخصية على ان يستحضر وجود الله تعالى في ذهنها، وان يتذكر عظمته تعالى، ويتذكر رحمته، حيث لا تنفصل عظمته تعالي عن رحمته، بمعنى ان كل ما هو موجود من صفاته تبارك وتعالى وموجود من ابداعه: انما هو نعم ومعطيات لا تحصى... والمهم ان ما يعنينا الآن هو: ان نستحضر في اذهاننا - عبر تراءتنا لدعاء العهد- ما عرضه الدعاء من (القسم) بجملة ظواهر، تستتبعه - من ثم- حملنا على التفكير بالله تعالى وبوظيفتنا التي خلقنا الله تعالى من أجلها،... مضافاً الى الوظيفة الخاصة بسلوكنا حيال شخصية امام العصر عليه السلام...

ويجدر بنا ان نقرأ اولاً: مقدمة الدعاء الذي تتضمن - كما قلنا- (القسم) بجملة ظواهر، على النحو الآتي: اللهم: رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر المسجور، ومنزل التوراة والانجيل والزبور، ورب الظل والحرور، ومنزل القرآن العظيم، ورب الملائكة المقربين، والانبياء والمرسلين....

*******

*المصدر (Arabic.irib.ir)