الأحد، 14 يونيو 2015

عهد الصادقين (ح٢)

عهد الصادقين (ح٢)
نقرأ مقدمة الدعاء المتضمنة (قسماً) بجملة ظواهر على النحو الآتي:
(اللهم: رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر المسجور، ومنـزل التوراة والانجيل والزبور، ورب الظل والحرور، ومنـزل القرآن العظيم، ورب الملائكة المقربين والانبياء والمرسلين...)

   هذا الاستهلال للدعاء يتضمن نقاطاً ثلاثة من (القسم)، هي:
١_القسم بعظمة الله تعالى من حيث الاشارة الى ظواهر ابداعية: كالنور، والكرسي، والبحر والظل والحرور..
٢_القسم ببعض رسالاته الى المجتمعات البشرية..
٣_القسم بملائكته وانبيائه ورسله ...

     ويعنينا ان نحدثك عن كل واحدة من الظواهر المشار اليها، حتى نصبح على وعي بما نقرأ من الدعاء المذكور...
بالنسبة الى الظاهرة الاولى ‌وهي انه تبارك وتعالى (رب النور العظيم)، وكذلك (رب الكرسي الرفيع): تستو قفنا عبارة و (رب) دون سواها من العبارات المشيرة الى مبدع الكون (الله تعالى) سمها الإله مثلاً او الملك... أي: أن قارئ الدعاء قد يتساءل ويقول: لماذا اطلق الامام(ع) كلمة (رب) عبر رصده لهاتين الظاهرتين (النور) و(الكرسي)... طبيعياً: يرد نفس السؤال بالنسبة الى ظواهر اخرى وردت في مقطع الدعاء المذكور مثل قوله عليه السلام (رب البحر المسجور) (رب الظل والحرور)،... وايضاً بالنسبة الى الملائكة والانبياء والمرسلين: استخدم الامام(ع) نفس العبارة فقال رب الملائكة...
         ان هذه الاسئلة عندما تطرح: انما تنطوي الاجوبة عنها على أسرار يتعين على قارى الدعاء معرفتها، بخاصة اذا أخذنا بنظر الاعتبار ملاحظة ان النصوص الشرعية تستخدم عبارات متنوعة للتعبير عن مبدع الوجود (الله تعالى) كما هو ملاحظ مثلاً في سورة (الناس)... ان كل واحد منا عندما يقر سورة (الناس) تستوقفه ثلاث عبارات متنوعة تطلق على (مبدع الوجود) وهي: الرب، الملك، الإله، حيث تقول السورة بسم الله الرحمن الرحيم (قل اعوذ برب الناس/ ملك الناس/ اله الناس..)
    ان هذه السورة تتناول الاستعاذة بالله تعالى من شر الوسواس الخناس/ الذي يوسوس في صدور الناس/ من الجنة والناس) بمعنى ان السورة تتحدث عن الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان، وحينئد فإن الله تعالى هو الجهة التي نستعيذ بها، ولذلك نتساءل: لماذا جاء الوصف لهذه الجهة، مرة بكلمة (رب الناس) والثانية بكلمة (ملك الناس) والثالثة بكلمة (اله الناس) .... ألا كان من الممكن ان يقال بانه (رب الناس) او (ملك الناس) او (اله الناس) كما هو وارد نه نصوص قرانية اخرى دون ان تتنوع بهذا الشكل؟... طبيعياً، ثمة اسرار تقف وراء الانتخاب المذكور، متمثلة - في جملة تتمثل فيه- بان كلمة (الرب) من حيث جذرها ترتبط بـ(التدبير) اي (المدبر)، واما كلمة (الملك) فترتبط بالسيادة والقدرة، واما (الاله) فترتبط بالعبودية... والسؤال هو: ما هي الاسرار الكامنة وراء الاستعاذة بالله تعالى من خلال ثلاث عبارات متنوعة بالنسبة الى وسوسة الشيطان؟...
         من البين ان الشيطان يعد المصدر الوحيد لاضلال البشر، ... وحينئذ فان الاستعاذة منه ينبغي ان تتم على ‌شتى مستويات القوة الرادعة للشيطان،... من هنا فان الاستعاذه بالله تعالى من خلال كونه (رباً) اي (مدبراً) يشكل جزءاً من القوة الرادعة (بصفة ان الالتزام بمبادئ الله تعالى ويعد مادةً تربوية عظمى)... وايضاً من خلال كونه (ملكاً) اي (سيداً وقادراً) : يعني: الهيمنة والسيطرة على الموقف، ... ثم سمة (الإله) من حيث كونها تعني: العبودية له تعالى... فإذن : الاستعاذه بالله تعالى تشمل اية قوة محتملة تقف امام الوسوسة الشيطانية التي قد توسوس من خلال التزيين لمبادئ ضالة، أو التخويف من عمل خاص،‌ أو الانصياع اخيراً‌ لها... ولكن: بالنسبة الى الدعاء الذي نحن بصدده فليس الموقف يرتبط بظاهرة متشعبة الجهات بل يرتبط بابداع الله تعالى لظواهر كونية ذات انظمة خاصة مفتقرة الى (تدبير) (نظام) محكم، وهو ما يتناسق مع عبارة‌ (رب) لانها تعني (التدبير) للكون...
      اذن: اذا كان البشر في إستعاذته بالله تعالى من الشيطان بحاجة الى (التدبير) و(السيادة) و(العبودية) فان الامر يختلف بالنسبة الى الظواهر الابداعية التي لا تقرن الا بعملية (التدبير) او (التنظيم) لهذه الظواهر المتنوعة: سواءً أكانت تتصل بالنور او الكرسي أو البحر أو...
      ومع ضوء هذه الحقائق، نتقدم الى مفردات الدعاء المذكور لنحدثك عنها، ونعني بها: الظواهر المرتبطة بالنور، والكرسي، وسواهما...

*المصدر: (Arabic.irib.ir)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق